حسن الأمين
24
مستدركات أعيان الشيعة
سلام للمعري أدخل السرور على قلبه : « فحمل فؤادي من الطرب على روق اليعفور ، بل فوق جناح العصفور ، وكأنما رفعني الفلك ، أو ناجاني الملك » . وإنما أحكم بان هذه الرسالة قبل « الاغريضية » ، لأنها جاءت جوابا عن رسالة عامة لأهل المعرة ، وفيها يشير المعري إلى العهد الذي قضاه المغربي فيها ، فكأنما هو حديث عهد بالرحالة عنها ، « فظعن وأرجه مقيم ، وارتحل وللثناء تخييم » . كما أن « ترسم » المعري فيها في خطاب أبي القاسم يبدو وكأنه غير قادر على « رفع الكلفة » بينهما ، فهو حين يقرأ ثناء ابن المغربي عليه يستشعر التواضع ، ويقول : « ومن أنا . . . هل أدبي في أدبه إلا كالقطرة في المطرة » - وعند ما يريد أن يسأله شيئا من نظمه ونثره ينتحل التهيب ويقول : « لقد هممت باسترفاد حضرته البهية من بدائعه ما يفضل المال ويكون الجمال ، فعداني عن ذلك إعظامي له واستحقاري نفسي ، وارعوت بي الهيبة إلى إرمامي وكفى ، وأبى الله إلا أن يكون التفضل من قبله ، فوعد التشريف بما سنح من المنثور والمنظوم » . وفي الرسالة لفتة لا نجدها في « الاغريضية » ، وهي تنويه المعري برعاية ابن المغربي للمعرة « بكتاب حكمة يوفده ، وعهد بصيرة يعهده » ، أو برعاية مزالفها وحماية مزارعها ، ويذكره ببؤس حال أهلها لإحاطة العدو بها ، « فهم يتوقون كفة الحابل ، ويتوقعون رشق النابل ، وسالمهم هامة اليوم أو غد ، وإن لم يكن ما خافوا فكان قد » ، وكأنما المعري يخاطب في هذه الرسالة المغربي الأب - أبا الحسن - لا ابنه أبا القاسم ، وفي هذا ما قد يشير إلى ما كان يعلقه المعري من آمال على آل المغربي ، منذ أن أصبحوا ذوي مكانة عالية في الدولة الفاطمية ، للنظر إلى حال البلاد الحلبية ، أو إن شئت الشام ، وفي مقدمتها المعرة . هذا من جانب المعري ، أما من جانب أبي القاسم المغربي فلم أعثر إلا على رسالة واحدة موجهة إلى المعري وإلى شخص آخر ، مبنية على التثنية : « سيدي » ، وفيها تشوق كثير ، ومراوحة بين النثر والنظم ، وليس فيها ما ينبئ عن سبب باعث لكتابتها سوى ذلك ، وفيها لمحة من شكوى الحال : « وأما حالي وما أنا عليه فجملتها أني أمسي وأصبح في غل التدبير ، وأروح وأغدو في سجن المقادير ، هدفا لسهام الليالي والأيام ، وعرضة لأسنة الأحوال والأعوام ، أجد ما لا أريد وأريد ما لا أجد » . وهي شكوى عامة لا تحدد وضعا ، وربما كانت أدل على مزيد من الطموح لا على بؤس الحال أو ترديها . ولا نجد لأبي العلاء جوابا عن هذه الرسالة ، وإنما نجد له قطعة تدل على أنها كانت في تاريخ متأخر ، ولعلها كانت بعد خروج أبي القاسم من مصر بسنوات ، وهذه هي القطعة : « كلما هم خبري بالهمود ، وأشرفت ناري على الخمود ، نعشني الله بسلام يرد من حضرته ، يجعل أثري كالروضة الحزنية والبارقة المزنية ، ولو كنت عن نفسي راضيا لشرفتها بزيارة حضرته ، ولكني عنها غير راض ، وما أقربني إلى انقراض ، وإنما أنا قصيص التمراد ومتخلف المراد ، فقد عددت في أناس قيل فيهم ( تلك أمة قد خلت ، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ، ولا تسألون عما كانوا يعملون ) وإن نعمت أو شقيت فدعائي يتصل بحضرته ما بقيت » . فقوله : « لشرفتها بزيارته » ، لا يمكن أن يعني أن أبا العلاء كان ينوي زيارته في مصر ، وإنما كان ابن المغربي منه دانيا حينئذ ، إما في الرملة ، وإما في بغداد ، وإما في مكان آخر يسهل على مثله السفر اليه ، وقوله : « وما أقربني إلى انقراض » ، يشير إلى وهن في العزيمة واستشعار لوطاة العمر . وبين الياس الذي تنضح به هذه الرسالة والآمال العراض في « رسالة المنيح » بون شاسع . فما السر في ذلك يا ترى ؟ . أعتقد أن ذلك كله يعود إلى إخفاق الوزير المغربي في ثورته على الدولة الفاطمية ، فقد ذهب العزيز وجاء الحاكم ، فقتل والده وعمه وأخوين له ، وهرب أبو القاسم إلى الشام مع بعض العربان ، وحصل عند حسان بن المفرج - زعيم طيئ - واستجار به ، وأشار عليه بمباينة الدولة الفاطمية ، وبمراسلة أبي الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة ومبايعته ، ليصبح خليفة . وترسل أبو القاسم بنفسه في إنجاز هذا الأمر ، وسار إلى العرب كلها من سليم وهلال وعوف بن عامر وغيرهم ليبايعوا أبا الفتوح خليفة عليهم بدلا من الفاطمي ، ثم جاء بابن جعفر العلوي أمير مكة ودخل به الرملة ، فتلقاه بنو الجراح ، وقبلوا الأرض بين يديه ، وسلموا عليه بإمرة المؤمنين . وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وخطب بذلك على المنبر . غير أن هذا التدبير لم يتم ، إذ كتب الحاكم الفاطمي إلى حسان وإلى المفرج والد حسان ، وبذل لهما من الوعود ما جعلهما يترددان في نصرة هذه الثورة ، فضعف أمر أبي الفتوح ، وعاد إلى موطنه مكة ، وهدأت الثورة التي تريد قلب الدولة الفاطمية ، كأنها لم تكن . وفي الوقت نفسه كتب الحاكم إلى أبي القاسم يقول له : « إنك آمن بأمان الله ورسوله محمد المصطفى وأبينا علي المرتضى والأئمة من آلهما مصابيح الدجى ، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز بالله أمير المؤمنين . . . أمانا ماضيا لا يتعقب بتأويل ، ولا يتبع بنسخ ولا تبديل » . وشفع هذا كله بالأمان المؤكد . ولكن الوزير المغربي كان قد وصل قبل بلوغ الأمان إلى العراق يؤم فخر الملك أبا غالب وزير مشرف الدولة أبي علي . ولكن الخليفة العباسي ، القادر لم يكن مرتاحا لوروده ، فاتهمه بنية إفساد الدولة العباسية . إنني لن أحاول في هذا المقام تتبع خطوات الوزير المغربي ، ولكن يكفي من هذا أن أقول إنه أخفق في زعزعة الدولة الفاطمية ، وإن ثورته ببني الجراح الطائيين لم تسعف على تغيير الأوضاع . المهم أن هذه الثورة أو إخفاقها ، وأكب عودة المعري من بغداد ، وهو الذي كان يعرف معرفة اليقين تلك الحركة البدوية ، ودورها في محاولة زعزعة الحكومات القائمة حينئذ ، وهي التي يصورها بقوله ، بعد العودة : وما أذهلتني عن ودادك روعة وكيف وفي أمثالها يجب الغبط ولا فتنة طائية عامرية يحرق في نيرانها الجعد والسبط وقد طرحت حول الفرات جرانها إلى نيل مصر فالوساع بها تقطو ولكن هذه الآمال التي واكبت عودته من بغداد ، وثورة الوزير المغربي ، حينئذ ، أوقعته في يأس عميق . ولقد كنا نقرأ من قبل أن أبا العلاء بعد عودته من بغداد خاطب أهل بلده بأنه مزمع على العزلة ، ولكنا حين نقرن ذلك بالاخفاق الذي مني به الوزير المغربي ندرك أن العزلة لم تكن أربا شخصيا ، وإنما لعلها كانت نتيجة لأحلام كان المعري يعقدها على أبي القاسم المغربي وثورته . ولهذا ، فان الوزير حين كتب له بعد إخفاق تلك الثورة رسالته التي أشرت إليها رد عليها أبو العلاء بما يشرح موقفه اليائس الذي لا يرجو له انتعاشا . وتلف المعري عزلته ، وتتقلب الأيام بالوزير المغربي تقلبا ليس هذا موطن شرحه ، ولكن التباعد بين الرجلين - الصديقين - لم يوقظه إلا ناقوس الموت ، موت الوزير ، فإذا بأبي العلاء يرثيه ، وهو مشغول بالتحدث عن القضايا الإنسانية لا عن الأفراد . ولكن سخرية القدر لا تقف عند هذا الحد . لقد مات الوزير المغربي وابنه أبو العلاء على نحو لم يفعله مع أحد آخر ، وأصبحت ذكراه موضع حديث طويل ، بل أخذ أبو العلاء يقيس الناس بعلاقاتهم به ، وتشاء الأقدار ذات يوم أن يذكروا على مسمع منه رجلا اسمه ابن القارح فيقول أبو العلاء : « أعرفه خبرا ، وهو الذي هجا أبا القاسم بن الحسين بن علي المغربي » . فيكتب ابن القارح رسالة يتحدث فيها عن نفسه ، وعن علاقته ببني المغربي ، وعن الخطيئات وأصحابها على مر الزمن ، وكأنما يسائل المعري : أين يقع صاحبك الوزير المغربي بين أصحاب ذوي الخطيئات ؟